المحاكم .. قضايا وهموم (2)
هنا المكلا /علي سالمين العوبثاني
في الجزء الأول من هذا المقال طرحنا عدداً من الأسئلة التي تدور في أذهان الناس والتي تقض مضاجعهم وتهز مصداقيتهم بالأجهزة القانونية كافة ، من المأمول التفاعل معها وإبداء وجهات النظر فيها ..كما أود هنا الإعراب عن عظيم امتناني وجزيل شكري لكل القضاة والمستشارين والمحامين الأجلاء الذين تواصلوا معي وأبدوا استعداداً بالمساهمة في الرأي ، كلاً في مجال اختصاصه.. والآن سوف أتحدث عن الجريمة وأثرها السلبي على المجتمع .
تقع الجريمة في المجتمع نتيجة لعوامل عدة من بينها :قضايا الأراضي وقضايا النصب والاحتيال وقضايا السرقة وقضايا الثأر وقضايا الشرف وغيرها ، فيختل ويضطرب لها توازن هذا الكيان المجتمعي الذي نعيش في كنفه كما تتأثر منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية فتعم الفوضى ويحتكم البعض لقانون الغاب الذي يعمق الانفلات الأمني وعدم الاستقرار في وقت يكون فيه الناس أحوج إلى التفكير العقلاني الذي يجسد روح القيم الدينية والإنسانية والأخلاقية .
وفي المجتمع شرائح مختلفة .. أكثرها تعرضاً للظلم هي تلك الفئة التي تفتقد إلى المال والعشيرة القوية .. هنا لا يجد الفقير الذي انتهك عرضه وتم البسط على أرضه ، من يسند ظهره ويعزز موقفه فيضطر إلى إزاحة حاجز الخوف بعد أن صُدت في وجهه كل الأبواب وغشيت عينيه غشاوة ، حينها يضيق أفق تفكيره ، وينسدل الظلام من حول حياته ، ويعيش داخل قشرة صلبة من اليأس تدفعه غالباً دوافع قاهرة لمحاولة الخروج من هذه الظروف القائمة إلى ما يتصور أن فيه الخلاص.. فيرتكب جريمته لغسل هذا العار الذي تلطخ به واهتزت بسببه صورته أمام المجتمع وإذا به بعد الجريمة يحتضن السراب ، ويمضي حياته خلف القضبان في السجون إن لم يُعدم .
فيمثل أمام المحكمة فتعرض عليه المحكمة من يدافع عنه ، فيرفض من يتكفل بالدفاع عنه فيقوم بالدفاع عن نفسه منفرداً بدون محام ، وبسبب رهبة المحكمة التي تمنعه من استجماع قدراته والتحكم برباطة جأشه، فإنه قد يسيء الدفاع عن حقوقه تحت تأثير الانفعال والغضب . وتزداد خطورة وقوعه في المحظور عندما يعتمد المتهم على فرضيات لا تأخذ بها المحكمة لضعف حجتها .. كما أن محامي الدفاع عن المجني عليه يكون في وضع يمكنه من تسخير كل طاقاته في سبيل الحصول على حكم يقضي على آمال الجاني في البراءة ، وهنا يقوم القاضي بدراسة الملف بصورة موسعة وفحص القضية فحصاً دقيقاً واقفاً موقفاً محايداً ليزن فيه ظروف وملابسات الجريمة بعقلنه ، تمهيداً لوضع الحكم الفصل بعد الدفوع المقدمة وذلك بعد استيفاء الشروط القانونية كافة، والحقيقة لا يمكن أن تظهر ناصعة إلا إذا استكشف جانبها الخفي والكيفية التي سارت عليها ووضع التكييف القانوني بصورة تتناسب مع الفعل الواقع من المتهم الذي كان في حالة دفاع عن العرض والشرف .. فالحكم في المحصلة النهائية ليس بيد المحامي بسبب اختلاف اجتهادات المحاكم في تفسير القوانين وأحياناً تراكمها بدون ضبط وسوء فساد اللغة التشريعية.. القاضي النزيه وحده فقط من يقوم بترجيح كفة القانون بما لا يضر بالأطراف كافة .
في القضايا الجنائية يقال إن للمحامين خاصية الإنفراد باستشفاف عناصر الخير الإنساني الكامنة حتى في نفوس المجرمين وإن خفيت على الناس ، وإن المحامين بما فيهم من عطف على الضعف الإنساني وفهم لخفايا النفس البشرية يستطيعون إظهار هذه النواحي وتمكين العدالـة من أخـذها بالاعتبار.
في المقال القادم سنتعمق أكثر وسنستأنس بآراء القضاة والمحامين والقراء الكرام ،والردود على تساؤلاتنا من واقع هموم تلك العناصر الرئيسة في هذا الجانب الحيوي كونهم المحاور التي تتكئ عليه هذه القضايا .