أعلان الهيدر

السبت، 6 سبتمبر 2014

الرئيسية رحلة في عقل أديب وناقد حضرمّي ( د. عبدالله حسين البار)" الحلقة الثالثة "

رحلة في عقل أديب وناقد حضرمّي ( د. عبدالله حسين البار)" الحلقة الثالثة "

هنا المكلا/علي سالمين العوبثاني
   في الحلقة الثانية من حوارنا ، كنا  قد أشرنا الى أنموذج نقدي للدكتور عبدالله حسين البار ،  ها نحن نبدأ به حول ( الشقاع .. شاعر من بلدي "1" ) حيث استوقفتني عبارات دقيقة المعنى تنبئ عن حدس (الناقد ) ناقلاً رأيه الحصيف ، حين يقول : ( فلم تملك النفس الأبية الحرة في ذلك كله من الآت التغيير إلا أن (ترفض ) ما تراه لغرابته وقبحه ، وهو رفض يتعالى ويمتد حتى يشمل ( الحاضر ) وما يعنيه وما يتشكل فيه إن كان ثمة مجال لشئ من ذلك ) .. ويأتي كلام الدكتور هذا تعليقا على مقطع من شعر الشقاع حين قال :
اليوم تمجيد الحصى
          اليوم تأليه الطحالب
للموت لون باذخ
         عصر رائحة الجوارب
ساءلت عن مدني الأثيرة  لم أجد إلا الحقائب
وبحثت عن رسل الحقيقة لم أجد إلا المناصب
.................................................
  ويقول الناقد (د. البار ) في موقع آخر يأتي متسقاً مع ما سبقه من كلام  ( وهو موقف ينبع في شعره من تراكم حالات الإحباط والهزيمة والانكسار في حياته . فلقد أنسرب الشقاع في الأيام شاباً تتدفق الحيوية ملء أهابه ، ويملؤه الأمل عزيمة ونشاط  فإذا بلاده تتحول أحوالاً ، وتتقرى سبيلها بين الدروب المتناقضة ، وإذا ذاته تتلمس لوجودها معنى غير ما عرفته في سالف الأيام ، فاختلفت الحماسة لوطنه في أعماقه بانفعاله بذاته وهي تتفتح أملاً ورغبات فأزهرت الأمنيات في النفس ، وتلون احساسه بالوجود بهذه الذبذبات المتلونة ، ولعله ظفر بشئ مما تمنى لكن تقلب الأحوال في وطنه أذهب الأمن عن نفسه ، فملأته المخاوف والأشباح ، وأندغمت جراح ذاته في جراح الوطن وهبط الجرحان قلب الشاعر غائرين .).      
  وكأني بما جاء في قول الشاعر وفهم الناقد له بعيون ناقدة ، اسقاط لواقع اليوم الذي نعيش في كنفه ، مع أن  الشاعر والناقد كانا يتحدثان عن مرحلة أسدل الستار عليها  ، ربما كان الأمن فيها ، عكس اليوم فلا يأمن الأمن على  نفسه .. فكيف به يؤمنه لغيره ؟
     وهنا لعمري ، تسمو موهبة الناقد المتمكن الذي يقرأ تفاصيل التفاصيل في أي عمل نقدي بما أؤتي من ملكة تتخلق ابداعاً راقياً  ..
    توقف الدكتور قليلاً ، ليعود بالذاكرة  إلى الوراء ليتذكر ما نشره ، وما أكثر ما نشر .. حيث  جاء في تعليقه على  ذلك :
(ج) شكرًا لك أخي على تذكيري بهذه المقالة المقتطف منها ذلك النصّ، فعهدي بها قديم يمتد إلى ما يقرب من عشرين عامًا. فقد كتبت في أجواء عام 94 – 95م، ولم يضمّها كتاب من الكتب اتي نشرت، فهي واحدة من أخريات كُتِبت ونشرت ثم انصرفت عنهن لانشغالي بما استجدّ في نشاطي النقديّ من تلوينٍ منهجيّ جاء بعد الإلمام بالمناهج اللسانيّة والوقوف على أدواتها الإجرائيّة، وهو ما ظهر في بعض ما نشرت من مقالات وبحوث. على أنّ هذا لا ينفي أنّها جزء من نشاط ذهنيّ كان لي في يوم من الأيام. وموضوعها هو تجربة الشاعر عوض ناصر الشقاع، وهو واحد من أجمل شعراء الجنوب إبداعا، لكنّه لم يحظ بدعايةٍ إعلامية كالتي حظي بها بعض الشعراء في جيلنا خاصة، فهو من زملاء الدراسة في جامعة عدن، ومن أصفى الأصفياء في حياتي، إذ تجاوزت علاقتي به حدَّ الصداقة إلى مستوى الأخوة السامية. وكنت على معرفة عميقة بشعره ولم أزل، وأعلم مدى معاناته لعدم الحصول على فرص للنشر والذيوع شأنه شأن سواه من المبدعين من شعراء السبعينيّات وما تلاها من عقودٍ في الزمن، وإنّما حُرِم من ذلك لأسبابٍ ليست بعيدةٍ عن الصراعات السياسيّة التي كانت ملتهبة في الجنوب يوم ذاك. وما أكثر التصنيفات يومها للمثقّفين بسبب أنّ أحدًا لم يكن يقبل بالتنوّع والاختلاف، وإنّما لا بدّ من الانصياع لرأي السلطة الحاكمة والالتزام به حتّى غدا إلزامًا، وهو ما تعلمه أنت علم اليقين، فلا حاجة للإفاضة في تفاصيله. جوهر الموضوع أنّي وقد تراكمت السنون على أشعار الشاعر الشقاع في أضابيره، وتكاثر إنتاجه الشعري متجدّدًا عزٍّ عليّ ذلك، فطلبت منه صورًا من قصائده حتّى تلك المرحلة من الزمان، وكتبت عنه تلك الهواجس النقديّة ونشرت في مجلّة آفاق يومذاك. وإتمامًا للقول أذكر أنّ الشقاع أصدر ثلاثة دواوين هي (طقوس النار والأحجار/ عناوين لرحلة الغيوم/ السائر في الظلمات)، وفي أوراقه ممّا لم ينشر ديوانان هما (الديوان السقطريّ/ ومتاهات في كتاب الرمل)، ولمّا يزل مبدعًا متجدّدًا. ولمّا أزل بشعره منشغلا، فلقد أنهيت عنه دراسة مطوّلة بعنوان (وهج القصيدة على شواطئ اللغة) لم تنشر بعد، تتناول شعره في عقد الثمانينيّات كاملا، وهي جزءٌ من مشروع كتابٍ عنه وعن تجربته الشعرية بعنوان (بوابات إلى مدائن التخييل)، وهو عن ثلاثين عامًا فوق درب الشعر قضاها هذا الشاعر المبدع في صمتٍ وصبرٍ وتأمّلٍ حقيقيٍّ في عوالم التخييل. ولولا أنّي أعلم أنّ المجال ضيّقٌ لأفضت في الحديث عنه وعن شعره، ولكن لعلّ مناسبة أخرى قد تسنح لمثل هذا الحديث فنستفيض فيه.
   * هناك من يجد أن الناقد لا يفتقد آليات التخصص فقط، وإنما يعاني من عدم الحياد ويخلط بين الموقف الشخصي والموضوعي، لذا لا يمكن النظر إليه  بمنظار الحياد، ولا أخذ رأيه النقدي مأخذ الجدِّ. وبالمقابل فأن الكاتب يُضيق على الناقد مساحة حرية النقد، نتيجة تحسسه المفرط من أي مساس نقدي يطال نتاجه الأدبي من قبل هذا الناقد أو ذاك.. بماذا تفسر ذلك ، من وجهة نظرك كناقد ربما واجه مواقف من هذا النوع؟
(ج ) عزيزي هذا ليس سؤالًا واحدًا ولكنّه حزمة من الأسئلة. واسمح لي أن نتعاون على ترتيبها حتّى نجيب عنها بصورةٍ مبينة.
      أولا : افتقاد الناقد لآليات التخصّص، أنت تومئ بهذا إلى الكتبة الذين ينشرون في بعض الصحف السيّارة شيئًا من الخطرات الناقدة دون اختصاص في هذا المجال، ونقد هؤلاء أقرب إلى الانطباع العابر والسريع، يلبي حاجة بعض القراء ولكنّ أثره غالبًا محدود. أمّا الناقد الذي ينذر نفسه للإبداع النقديّ، ويمارسه بفعاليةٍ فلا بدّ له من علمٍ وفير بنظريّات النقد ومناهجه وطرائقه في المعالجة بحيث يستطيع أن يسبر غور النصّ الذي بين يديه، ويحكم عليه الحكم الدقيق الذي يطمئنّ إليه الكاتب صاحب العمل المنقود، والقارئ الذي يقرأ النقد فيستلّ من خلاله على مميزات العمل وخصائصه. هذا الناقد إن لم تكن لديه معرفة بتاريخ النقد منذ اليونان ومن تلاهم في الزمان حتّى يوم الناس هذا هو مع احترامي الشديد شخص قاصر التكوين، وسيكون نقده مضطربًا ولا شكّ بسبب قصور تكوينه هذا. إن النقد علمٌ ذو أصول ومبادئ وتاريخ يشتمل على صورٍ متعدّدة تقلبت بها أدوار التاريخ، ورسّخ أعمدتها أعلام أفذاذٌ على مختلف العصور، فليس يكفي أن تكون للمرء قدرةٌ على القول ليصير ناقدًا من طرازٍ رفيع. وإذا كانوا يقولون: اشعر صعب وطويل سلّمه... فأنا أقول: النقد صعبٌ وطويلٌ سلّمه...
      ثانيا : هل يضيّق الكاتب على الناقد مساحة حريّة النقد؟ لا أحسب ذلك واردً في الحسبان. لأنّ للإبداع مضايق يعرف مداخلها المبدع الفنّان، ويعلم أسرارها الناقد فيلمّ بها وينفذ إليها على حسب الدربة والثقافة وتنوّع المناهج اتي يمتلكها، فهي مفاتيحه لفكّ المستغلق من العمل الأدبيّ، لذلك فحريّته في معالجة العمل الأدبيّ ونقده واسعة. لكنّ العلاقة بين الناقد والكاتب وما يصيبها من حساسيّةٍ من النقد، فهذه مسألةٌ نفسيّة في المقام الأوّل. فالكاتب لا يرى في عمله نقصًا، فهو شديد الفرح به والاعتداد بما صنع. والناقد يتكشّف بأدواته النقديّة خبايا في النصّ قد لا يتبيّنها الكاتب نفسه، ثم حين يستدلّ عليها من النقد تأخذه العزّة بالذات فيأبى الاعتراف بها ويغلّف غضبه من كشفها وإعلانها على الملأ باتهامه الناقد بشتّى الاتهامات. والغريب أنّ هذا الكاتب حين تدلّه على ما نصّه من نقصٍ أو قصورٍ أو خطأ بينك وبينه يقبل بذلك وقد ينصاع لما تقترحه عليه فيغيّره، وفي ذاكرتي صور كثيرة من ذلك، لكنّك
حين تجهر بها ينقلب حاله ويغذو شيئًا آخر مختلفًا.
     نأتي بعد هذا إلى حديثك عن الحياد لدى الناقد. الأصل أنّ الناقد يفترض فيه الموضوعيّة والبعد ما استطاع عن الذاتيّة فلا يتحدّث عما يعجبه ويروقه وينصرف عمّا لا يعجبه ولا يروقه. كلا، فهذا ليس بنقدٍ وإنّما هذه مسألة ذوقيّة، وفي الذوق تنعدم الموضوعيّة، أمّا النقد فهو فعالية ذهنيّة تخضع لما تخضع له كلّ العمليات الذهنية الواعية، ومن هنا نلح دائمًا على ضرورة الالتزام بمنهج نقديّ والصدور عنه، مثلما يلح الفلاسفة في تطلّب منهج يصدر عنه هذا الفيلسوف أو ذاك، وإلا صار التفكير البشريّ خبط عشواء. هذا الالتزام بمنهجٍ هو الذي يحقّق أكبر نسبة من الموضوعيّة في نقد هذا الناقد أو ذاك، ولا أقول الموضوعيّة كلّها؛ لأنّ الناقد في آخر المطاف إنسانٌ وقد يغلبه الهوى على الرغم من حرصه على العدل في الحكم والالتزام بالحياد قدر المستطاع. لكنّ هذا لا يضرّ في النقد كثيرًا مادامت الغلبة للرأي المحكوم بقواعد المنهج ومبادئه. ثمّ من أين يأتي الهوى عند الناقد؟ لا يأتي من الارتضاء بهذا الاستخدام اللغويّ والقبول به أو رفض سواه دون تعليلٍ، ولكنّه يأتي من الاقتناع الذاتي والمعلّل أيضًا بأهميّة هذا المبدع دون ذاك، والإفراط في الكتابة عن هذا من الكتّاب دون غيره، فيجيء الاتهام، وكأنّما هو أمرٌ لازمٌ على الناقد أن يكتب عن جميع الأعمال ويتحدّث عن كلّ المبدعين. وهذا أمرٌ غير واردٍ، ولكنّ كلّ مبدعٍ يرى أنّ له الحقّ في أن ينال من الناقد كلماتٍ يتعلل بها، ويردّدها ما بين آن وآخر، فإن لم يجدها أسرّ في نفسه غضبًا، وإن وجدها مقولةً في غيره ثار به الغضب وقد يخرجه عن طوره. ألم أقل لك من قبل إنّها مسألة نفسيّةٌ ليس إلا؟    
* يؤخذ على الناقد ، ممارسة عمله النقدي بصورة ميكانيكية، فيعمل على تجزئة النص الأدبي إلى دلالات وأجزاء ومن ثمّ يعمل على نقد كل جزء لوحده حيث يقوم  بمناقشة القيمة الجمالية مقابل رداءة النص الأدبي، وتماسك النص مقابل تفككه، وجمالية اللغة مقابل فقرها.. وبهذا فإنه يغفل عناصر هامة من هيكلية العمل الأدبي وتماسكه وتوازنه ونسيجه ودلالاته المترابطة، ومن ثم فأن حكمه يأتي جائراً وفي غير محله .. ما مدى صحة ذلك؟
(ج ) لا تكون الميكانيكيّة سمةً في العمل النقديّ إلاّ إذا كان الناقد غير محيطٍ بإجراءات منهجه النقديّ، فيكون تعامله معه تعاملا آليًّا غير سلسٍ ولا منسجمٍ مع طبيعة تفكير الناقد ورؤيته للحياة. وهنا يصاب النقد بما أسميه بتصلّب الشرايين، فلا يفقه القارئ منه شيئًا، ولا يستطيع الناقد الإتيان بما يمتع ويبهر. أمّا كون الناقد يفكّك العمل الأدبيّ إلى أجزاءٍ تمثّل وحداتٍ دلاليّة فهذا من صميم العمليّة النقديّة فالمبدع هو من يقدّم لنا العمل الأدبيّ كاملا مكتملا في وحدة واحدة، فيقوم الناقد من بعد بتشريحه لاستكشاف أسراره وخباياه ثمّ يعيد تركيبه ليستخلص منه دلالته العامة، لأنّ الجزء في لا يعني وإنّما يجيء المعنى من تكامل العناصر واتحادها، ودون ذلك التركيب يعطي كلّ جزءٍ معنًى غير الذي يعطيه الجزء الآخر. وخذ على ذلك مثلا أعضاء الإنسان وأجزاء جسده، فللرأس وما حوى معنًى في ذاته، ولليدين معنًى آخر، وقل مثل ذلك في الجذع والرجلين وما إلى هذا. فهل واحدٌ من هذا الأعضاء يعطينا معنى الإنسان؟ أو أنّنا نقع على معناه من اكتمال تلم الأعضاء في وحدة واحدةٍ منسجمة، ومن تكامل العلاقة بين تلك الأعضاء؟ وكذلك العمل الأدبيّ تمامًا بتمام. فالناقد الذي لا يدرك تلك المسألة ويعي أبعادها يبدو نقده ذرّيًّا ويتسم نقده بالتناول الجزئيّ لا بالكلّيّة البنائيّة، وهي ما ينبغي أن يتسم بها النقد ليبدو تمامه. على أنّنا نستدرك على هذا القول شيئًا. فلقد يقف الناقد على عنصرٍ من عناصر العمل الأدبيّ الذي بين يديه وينطر إليه على أنّه بنيةٌ مكوّنة من جملةٍ من العناصر، ولكلّ عنصرٍ منها خصائصه وأسراره فيمضي في تحليل تلك البنية وعناصرها ليستخلص منها المعنى المقصود. وليس في ما يضرّ العمل الأدبيّ بل لعلّ فيه ما يزيد تحليله عمقًا ويساعد على جلاء جماليّته. ومن ذلك حديث النقّاد عن الصورة الفنيّة في ديوان شاعرٍ مّا، أو البنية الإيقاعيّة فيه بكلّ مكوّناتها. وهنا لا يلجأ الناقد إلى جزئيّةٍ في العمل ولكنه يعمد إلى بنية كليّة هي الصورة في مقامٍ وهي الإيقاع في مقامٍ آخر. فهل يعني هذا أنّ الناقد يهتمّ بجزء مّا في العمل الأدبيّ دون سواه من أجزائه؟ كلا، ولكنّه في سعيه للكشف عن شعريّة العمل الأدبيّ، ومقتضيات المنهج العلميّ يعمد إلى (بنينة) الجزء فينظر فيه بصفته بنيةً كلّيّةً شاملةً وليس على كونه جزءًا مقتطعًا من كلٍّ. إذا صنع الناقد شيئًا من ذلك فأحسبه إلى التوفيق في عمله أدنى وأقرب. أمّا الجور في الحكم أو الإنصاف فيه فهذه لم مسألة تشغل الناقد قطّ مادام همّ الناقد منصرفً إلى تحليل العمل الأدبيّ ووصف مكوّناته. والوصفيّة في النقد إجراءٌ يغاير المعياريّة التي اتسم بها النقد القديم من قبل وعدل عنها نقاد ما بعد اللسانيّات، وحسنًا فعلوا.
* يمكننا بعد إجاباتك  بعاليه، أن نصل إلى استنتاج مفاده: بأننا نعاني من أزمة ثقافة حقيقية لأسباب كثيرة .. فهل يمكنك وضع مقترحات بناءة يهتدي إليها كل من يعمل في مجال النقد؟ للوصول إلى الغايات والأهداف لتجاوز إشكاليات تلك الأزمة.
(ج ) أمّا أنّ النقد (يعاني من أزمة ثقافة) فهذا لا مراء فيه، ولعلّ كثيرًا من واضعي النظريّات النقديّة قد استشعروا شيئًا فمضوا يقلبون المناهج على مختلف التصوّرات لتجديد آليات النقد وإجراءاته، فامتزجت المناهج التاريخيّة بالمناهج اللسانيّة سعيًا للوصول بالنقد إلى سبيلٍ تتقارب فيه معطيات الروح الأدبيّة التي يتسم بها العمل الأدبيّ بآليّات المنهج العلميّ الذي يضبط حركة النقد ويسدّد خطى الناقد. وهذا لا يقوى عليه إلا من امتلك ثقافة وسعة متنوّعة، وقليلٌ ما هم.
       أمّا سؤالك عن إمكانيّة وضع مقترحات يهتدي بها الناقد أو كما قلتَ فهذا ما لا أحبّذه نفسي ولا لغيري. فالعمل النقدي إبداعٌ كالعمل الأدبيّ تمامًا بتمام. وإذا كان ليس بمستطاع أحدٍ وضع مقترحاتٍ للكاتب المبدع ليسير عليها في صناعة عمله الأدبيّ فليس من أحدٍ بمستطيعٍ وضع مقترحاتٍ للناقد ليمضي في نقده على هداها. إنّ النقد تجربة في اللغة يقوم بها الناقد ولكلّ تجربةٌ مقوّماتها التي تختلف عن سواها فهي مرتبطة بالتجربة والثقافة والدربة والشخصيّة، ولذلك لا يستوي النقاد كما لا يستوي الكتّاب والمبدعون. وتجاوز الأزمة التي أشرت إليها في آخر سؤالك يكون بمزيد من التنوّع الثقافيّ الذي به تُصقل الموهبة وتتكامل الشخصيّة.  
     لقد أجاب الدكتور عبدالله حسين البار على تلك الأسئلة بما أمتلكه من علم غزير  ، وأسلوب سلس شائق ، ليقرب لنا المسافات في الجانب النقدي بما فيه من تعقيدات جمة ، ولعله بهذه الاجابات قد سلط الضوء على تلك القضايا الهامة التي تدور في عقل كل قارئ أراد الوصول الى المعرفة من أوسع أبوابها  .. اللقاء بكم يتجدد  في الأسبوع القادم ، انتظرونا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.